كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



ومعنى بث فرق ونشر. وإنما خص وصف الكثرة بالرجال اعتمادًا على الفهم، ولأن شهرة الرجال أتم فكانت كثرتهم أظهر. وفيه تنبيه على أن اللائق بحال الرجال والاشتهار والخروج، واللائق بحال النسوان الاختفاء والخمول. وإنما يقل الرجال والنساء معرفتين لئلا يلزم كونهما مبثوثين من نفسهما، ثم إن هذا البث معناه محمول على ظاهره عند من يرى أن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر مجتمعين في صلب آدم، وأما عند من ينكر ذلك فالمراد أنه بث منهما أولادهما، ومن أولادهما جمعًا آخرين وهلم جرًا، فأضيف الكل إليهما على سبيل المجاز. {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} من قرأ بالنصب فللعطف على اسم الله أي واتقوا حق الأرحام فلا تقطعوها وهو اختيار أكثر الأئمة كمجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد والفراء والزجاج. وأما للعطف على محل الجار والمجرور كقوله:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا

وهو اختيار أبى علي الفارسي وعلي بن عيسى. وقيل: منصوب الإغراء أي والأرحام فاحفظوها وصلوها. ومن قرأ بالجر فلأجل العطف على الضمير المجرور في {به} وهذا وإن كان مستنكرًا عند النحاة بدون إعادة الخافض لأن الضمير المتصل من تتمة ما قبله ولاسيما المجرور فأشبه العطف على بعض الكلمة، إلا أن قراءة حمزة مما ثبت بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز الطعن فيها لقياسات نحوية واهية كبيت العنكبوت. وقد طعن الزجاج فيها من جهة أخرى وهي أنها تقتضي جواز الحلف بالأرحام وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحلفوا بآبائكم» والجواب أن المنهي عنه هو الحلف بالآباء وههنا حلف أولًا بالله ثم قرن به الرحم فأين أحدهما من الآخر؟ ولئن سلمنا أن الحلف بالرحم أيضًا منهي عنه لكن لا نسلم أنه منهي عنه مطلقًا، وإنما المنهي عنه ما حلف به على سبيل التعظيم، وأما الحلف بطريق التأكيد فلا بأس بها، ولهذا جاء في الحديث: «أفلح وأبيه إن صدق» سلمنا أنها منهي عنها مطلقًا لكن المراد هاهنا حكاية ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من قولهم في الاستعطاف والتساؤل وهو سؤال البعض البعض: أسألك بالله وبالرحم، وأنشدك الله والرحم. وقرئ {والأرحام} بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف أي والأرحام كذلك أي أنها مما يتقى ويتساءل به. فإن قيل: لم قال أولًا {اتقوا ربكم} ثم قال بعده {واتقوا الله}؟ قلنا: أما تكرار الأمر فللتأكيد كقولك للرجل: عجل عجل. وأما تخصيص الرب بالأول والله بالثاني فلأن الغرض في الأول الترغيب بتذكير النعمة والإحسان والتربية، وفي الثاني الترهيب. ولفظ الله يدل على كمال القدرة والقهر فكأنه قيل: إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته وإلا فإنه شديد العقاب فاتق سخطه. قال العلماء: في الآية دليل على جواز المسألة بالله.
روى مجاهد عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سألكم بالله فأعطوه» وعن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع منها إبرار القسم. ولا يخفى ما في الآية من تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها حيث قرن الأرحام باسمه، وقال في سورة البقرة: {لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانًا وذي القربى} [البقرة: 83] وعن عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل: «أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسمًا من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته» وفي الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله» وعن عبد الله بن عمرو بن العاص سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس الواصل بالمكافئ الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها» عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة» فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها، فلهذا بنى أصحاب أبي حنيفة على هذا الأصل مسألتين: إحداهما أن الرجل إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه مثل الأخر والأخت والعم والخال لأنه لو بقي الملك حل الاستخدام باإجماع، لكن الاستخدام إيحاش وقطيعة رحم. والثانية أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها حذرًا من الإيحاش والقطيعة. ثم إنه ختم الآية بما يتضمن الوعد والوعيد فقال: {إن الله كان عليكم رقيبًا} مراقبًا يحفظ عليكم جميع أعمالكم فيجازيكم بحسبها.
ثم إنه سبحانه بعد تقديم موجبات الشفقة على الضعفة ومن له رحم ماسة قال: {وآتوا اليتامى أموالهم} وأصل اليتيم الانفراد ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة. فاليتامى هم الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم. فاليتيم لغة يتناول الصغير والكبير إلا أنه في عرف الشرع اختص بالذي لم يبلغ الحلم. قال صلى الله عليه وسلم: «لا يتم بعد الحلم» والمراد أنه إذا احتلم لا تجري عليه أحكام الصغار لأنه في تحصيل مصالحه يستغني بنفسه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره. فإن قيل: إذا كان اسم اليتيم في الشرع مختصًا بالصغير فما دام يتيمًا لا يجوز دفع أمواله إليه، وإذا صار كبيرًا بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيمًا فكيف قال: {وآتوا التيامى أموالكم}؟ ففي الجواب طريقان: أحدهما أن المراد باليتامى الكبار البالغون، سماهم بذلك على مقتضى اللغة أو لقرب عهدهم باليتم كقوله: {فألقى السحرة ساجدين} [الشعراء: 46] أي الذين كانوا سحرة قبل السجود.
ويؤكد هذا الطريق قوله فيما بعد {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} والإشهاد لا يصح قبل البلوغ بل إنما يصح بعد البلوغ. وقال صلى الله عليه وسلم: «تستأمر اليتيمة في نفسها» ولا تستأمر إلا وهي بالغة. وعلى هذا يكون في الآية إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عند حد البلوغ ولا يمطلوا إن أونس منهم الرشد، وأن لا يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار، ويوافقه ما رواه مقاتل والكلبي أنها نزلت في رجل من غطفان كان معه مال كثير لأبن أخ يتيم. فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية. فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع إليه ماله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره يعني جنته. فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ثبت الأجر وبقي الوزر. فقالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بيقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟ فقال: ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده. قيل: لأنه كان مشركًا. الطريق الثاني أن المراد بهم الصغار أي الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتيم أموالهم، وآتوهم من أموالهم ما يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم، والخطاب للأولياء والأوصياء. {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} قال الفراء والزجاج: أي لا تستبدلوا الحرام- وهو مال اليتامى- بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه. والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز كالتعجل بمعنى الاستعجال والتأخر بمعنى الاستئخار، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث- وهو اختزال أموال اليتامى والاعتزال عنها حتى تتلف- بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها. وقال كثير من المفسرين: هذا التبدل هو أن يأخذ الجيد من مال اليتيم ويجعل مكانه الرديء، قال صاحب الكشاف: هذا ليس بتبدل وإنما هو تبديل. يريد أن الباء في بدل تدخل على المأخوذ، وفي تبدل على المعطى. ولما كان المأخوذ الطيب كان تبديلًا. ثم وجهه بأنه لعله يكارم صديقًا له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي فيكون الباء في موضعه. وقيل: معنى الآية أن يأكل مال اليتيم سلفًا مع التزام بدلة بعد ذلك فيكون متبدلًا الخبيث بالطيب. {ولا تأكلوا أموالهم} منضمة {إلى أموالكم} وفي الانفاق تسوية بين المالين في الحل {إنه} أي الأكل {كان حوبًا كبيرًا} ذنبًا عظيمًا. والحاب مثله، والتركيب يدور على الضعف، والمراد بالأكل مطلق التصرف إلا أنه خص بالذكر لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف. وقيل: إل هاهنا بمعنى مع والفائدة في زيادة قوله: {إلى أموالكم} أكل أموال اليتامى محرم على الإطلاق زيادة التقبيح والتوبيخ لأنهم إذا كانوا مستغنين عنها بما لهم من المال الحلال ومع ذلك طمعوا في مال اليتيم كانوا بالذم أحرى، ولأنهم كانوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم.
{وإن خفتم ألاتقسطوا} أقسط الرجل عدل وقسط جار. وقال الزجاج: أصلهما جميعًا من القسط وهو النصيب. فإذا قالوا قسط فمعناه ظلم صاحبه في قسطه من قولهم: قاسطته فقسطته أي غلبته على قسطه. وإذا قالوا أقسط بالهمز فمعناه صار ذا قسط مثل أنصف إذا أتى بالنصف فيلزمه العدالة والتسوية. واعلم أن قوله: {وإن خفتم} شرط وقوله: {فانكحوا} جواب له. ولابد من بيان أن هذا الجزاء كيف يتعلق بهذا الشرط وللمفسرين فيه وجوه: الأول ما روي عن عروة أنه قال: قلت لعائشة: ما معنى قول الله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} فقالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب الرجل في مالها وجمالها إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها. ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة ردية لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها. فقال تعالى وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا غيرهن ما طاب لكم من العدد. قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله تعالى: {يستفتونك في النساء} [النساء: 127] الآية. فقوله فيها: {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء} [النساء: 127] المراد منه هذه الآية وهي قوله: {وإن خفتم أن لا تقسطوا}. وعبر في الكشاف عن هذه الرواية بعبارة أخرى وهي: كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال أو يكون وليها فيتزوجها ضنًا بها عن غيره، فربما اجتمعت عنده عشر منهن فيخاف لضعفهن وفقد من يغضب لهن أن يظلمهن حقوقهن ويفرط فيما يجب لهن فقيل لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن {ما طاب لكم}. الثاني وهو قول سعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي منقولًا عن ابن عباس: لما نزلت الآية المتقدمة وما في أكل أموال اليتامى من الحوب الكبير، خاف الأولياء لحوق الحوب فتحرجوا من ولاية اليتامى. وكان الرجل منهم ربما كانت تحته العشر من الأزواج وأكثر فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهم فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فكونوا خائفين من ترك العدل بين النساء لأنهن كالتيامى في تعجيز والضعف، فقللوا عدد المنكوحات لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فكأنه غير متحرج. الثالث: كانوا لا يتحرجون من الزنا ويتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم ذلك فكونوا خائفين من الزنا أيضًا وانكحوا ما حل لكم من النساء.
الرابع روي عن عكرمة كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام فإذا أنفق مال نفسه على النسوة أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن. فقيل: إن خفتم أن تظلموا اليتامى بأكل أمواله عند كثرة الزوجات فقد حظرت لكم أن تنكحوا أكثر من أربع ليزول هذا الخوف، فإن خفتم في الأربع أيضًا فواحدة، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع والناقص وهو الواحدة، ونبه بذلك على ما بينهما فكأنه قيل: إن خفتم الأربع فثلاثًا وإن خفتم فاثنتين وإن خفتم فواحدة. قال الظاهريون: النكاح واجب لقوله: {فانكحوا} وظاهر الأمر للوجوب. وعورض بقوله تعالى: {ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم} [النساء: 25] ولو سلم فالوجوب بحالة الخوف فلا يلزم منه الوجوب على الإطلاق وأيضًا الآية سيقت لبيان وجوب تقليل الأزواج لا لأصل الوجوب وإنما قال: {ما طاب} ولم يقل من طاب لأنه أراد به الجنس. تقول: ما عندك؟ فيقال: رجل أو امرأة. تيرد ما ذلك الشيء الذي عندك أو ما تلك الحقيقة. ولأن الإناث من العقلاء تنزل منزلة غير العقلاء ومنه قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} ولأن ما ومن يتعاقبان. قال تعالى: {والسماء وما بناها} [الشمس: 5] {فمنهم من يمشي على بطنه} [النور: 45]. قال المفسرون: معنى {ما طاب لكم} أي ما حل لكم من النساء لأن فيهن من يحرم نكاحها كما سيجيء. واعترض عليه الإمام بأن قوله: {فانكحوا} أمر إباحة فيؤل المعنى إلى قوله: أبحت لكم نكاح من هي مباحة لكم وهذا كلام مستدرك سلمناه، لكن الآية تصير مجملة لأن أسباب الحل والإباحة غير مذكورة في هذه الآية. وإذا حملنا الطيب عن استطابة النفس وميل القلب كانت الآية عامة دخلها التخصيص وأنه أولى من الإجمال عند التعارض لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجمل لا يكون حجة أصلًا، والجواب عن الأول أن ذكر الشيء ضمنًا ثم صريحًا لا يعد تكرارًا بدليل قوله: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 57] وعن الثاني أن قوله: {ما طاب لكم} بمعنى ما حل لكم إذا كان إشارة إلى ما بقي بعد ما أخرجته آية التحريم فلا إجمال. وأما قوله: {مثنى وثلاث ورباع} ولم يوجد في كلام الفصحاء إلا هذه، وأحاد وموحد وجوّزوا إلى عشار ومعشر قياسًا على قول الكميت:
ولم يستر يثوك حتى رميت ** فوق الرجال خصالًا عشارا